ابن خلدون
221
تاريخ ابن خلدون
وتسعين بعد أن استكمل حشده ونادى في قومه واعترض عساكره وأجزل أعطياتهم وأزاح عللهم وارتحل في التعبية واحتل بساحة تلمسان ثاني شعبان وأناخ عليها واضطرب معسكره بفنائها وحجز عثمان بن يغمراسن وحاميتها من قومه وأدار الأسوار سياجا على عمرانها كله ومن ورائها نطاق الحفير البعيد المهوى ورتب المسالح على أبوابها وفروجها وسرح عساكره لمحاصرتها فاقتحموها وآتوا طاعتهم وأوفد مشيختهم وسط شعبان ثم سرح عساكره لمحاصرة وهران وتقري البسائط ومنازلة الأمصار فأخذت مازونة في جمادى الآخرة من سنة تسع وتسعين وتنس في شعبان بعده وتالموت والقصبات وتامزردكت في رمضان منه وفيه كان فتح مدينة وهران وسارت عساكره في الجهات إلى أن بلغت بجاية كما نذكره وأخذ الرعب بقلوب الأمم بالنواحي وتغلب على ضواحي مغراوة وتوجين وسارت فيها عساكره ودوختها كتائبه واقتحمت أمصارها مثل مليانة ومستغانم وشرشال والبطحاء ووانشريس والمرية وتافركينت وأطاعه زيرى المنتزى ببرشك وأتى بيعته وابن علان المنتزى بالجزائر وأزعج الناكثين منهم عن طاعته واستألف أهل الطاعة كما نذكره وحذره الموحدون من ورائهم بإفريقية ملوك بجاية وملوك تونس فمدوا إليه يد المواصلة ولاطفوه بالمتاحفة والمهاداة كما نذكره وخاطب صاحب الديار المصرية ملك الترك وهاداه وراجعه كما نذكره ووفد عليه شرفاء مكة بنى نمى كما نذكر وهو في خلال ذلك مستجمع للمطاولة بالحصار والتضييق متجاف عن القتال الا في بعض الأيام ولم تبلغ أربعة أو خمسة ينزل شديد العقاب والسطوة بمن يميرها ويأخذ بالمرصاد على من يتسلل بالأقوات إليها قد جعل سرداق الأسوار المحيطة ملاكا لامره في ذلك فلا يخلص إليهم الطيف ولا يكاد يصل إليهم العيث مدة مقامه عليها إلى أن هلك بعد مائة شهر كما نذكره واختط بمكان فسطاط المعسكر قصرا لسكناه واتخذ به مسجد الصلاة وأدار عليها السور وأمر الناس بالبناء فبنوا الدور الواسعة والمنازل الرحيبة والقصور الأنيقة واتخذوا البساتين وأجروا المياه ثم أمر بإدارة السور سياجا على ذلك سنة ثنتين وسبعمائة وصيرها مصرا فكانت من أعظم الأمصار والمدن وأحفلها اتساع خطة وكثرة عمران ونفاق أسواق واحتفال بناء وتشييد منعة وأمر باتخاذ الحمامات والمارستان وابتنى مسجدا جامعا وشيد له مأذنة رفيعة فكان من أحفل مساجد الأمصار وأعظمها وسماها المنصورة واستبحر عمرانها ونفقت أسواقها ورحل إليها التجر بالبضائع من الآفاق فكانت احدى مدائن المغرب وخربها آل يغمراسن عند مهلكه وارتحال كتائبه بعد أن كان بنو عبد الواد أشرفوا على الهلاك وأذنوا بالانقراض كما نذكره فتداركهم من